في الأغوار الوسطى، حيث لكل قطرة قيمة، أصبحت فريال الجهران مرجعا تلجأ إليه الجارات لمعرفة طرق ترشيد المياه وإدارتها.
يصل الصيف مبكرا إلى الأغوار الوسطى. وبينما تبدأ مناطق أخرى من الأردن بالشعور بالحر، تكون الأسر هناك قد أمضت أسابيع في حساب المياه وتخزينها وتقنين استخدامها. رأت فريال هذا المشهد يتكرر كل عام: محاصيل تحتاج إلى الري، وخزانات محدودة، ونساء يتحملن مسؤولية إدارة مورد لم يتلقين تدريبا عليه.
الأردن من أكثر دول العالم شحا بالمياه، وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في الأغوار، حيث تتنافس الزراعة والاحتياجات المنزلية على مورد يتراجع عاما بعد عام. وحين تقل المياه، تكون المرأة غالبا أول من يعيد ترتيب تفاصيل الحياة اليومية حول الكمية المتاحة.
«قبل كنا ننتظر الماء ونتمنى. اليوم نخطط له، وأستطيع أن أري امرأة أخرى كيف.»
كانت المياه مشكلة تمس الجميع، لكنها لم تعامل دائما بوصفها مسؤولية مشتركة، فضلا عن كونها مجالا يمكن أن تقوده النساء. وهذا هو الافتراض الذي أرادت فريال تغييره.
انضمت إلى مبادرة «رائدات التغيير» للمرأة الواعية بالمياه، التي ينفذها جهد مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي. وتعلمت مع نساء أخريات مهارات عملية، من كشف التسربات وإعادة استخدام المياه الرمادية بأمان، إلى تخزين المياه حين لا تصل وفق جدول ثابت.
في تجربتها، لم يبق اسم «رائدات التغيير» شعارا. فإدارة المياه تعني أيضا إدارة نفقات البيت وصحته والخلافات التي قد تنشأ حوله، وحين امتلكت النساء المعرفة أصبحن أقدر على اتخاذ القرار.
لم تحتفظ فريال بما تعلمته لنفسها. طبقت الممارسات في منزلها، ثم بدأت تعقد جلسات لنساء أخريات حول تسرب الصنابير، وحماية الخزانات، وفهم الارتفاع المفاجئ في الفواتير. وبمرور الوقت، تحول الماء من عبء صامت إلى مورد يمكن التخطيط له وإدارته.
ولم يقتصر التغيير على الخزانات والصنابير. فقد أصبحت فريال موضع ثقة واستشارة في مجتمع لم يكن معتادا أن يرى امرأة في هذا الدور. منحتها المعرفة مكانة، وشجعت نساء أخريات على أن يطالبن بدور أكبر.
انتقلت الخبرة من بيت إلى آخر: ابنة ترى أمها تقرأ العداد وتحسب الاستهلاك، وجارة تسأل كيف بقيت الحديقة خضراء بالكمية نفسها من المياه. هكذا تحولت إصلاحات منزلية بسيطة إلى معرفة محلية تقودها النساء.
هذا هو التغيير القابل للاستمرار: لم تقدم المبادرة حلا جاهزا ثم تغادر، بل وفرت تدريبا وأدوات وثقة، وتركت لنساء مثل فريال مهمة نقل المعرفة. وبعد انتهاء دورة التمويل، تبقى التسربات التي أصلحنها، وتستمر النساء اللواتي تدربن في تعليم غيرهن.
في اليوم العالمي للمياه، كان الشعار العالمي «المياه والمساواة بين الجنسين»، لأن توزيع المياه وتوزيع القدرة على اتخاذ القرار قضيتان مترابطتان. وفي الأغوار الوسطى، تجسد فريال هذا المعنى بيتا بعد بيت.
المياه شحيحة في الأغوار، لكن المعرفة والقيادة لم تعودا كذلك.



